حسين بن منصور الحلاج
13
ديوان الحلاج
ومما يدل على أن الحلاج كان يستطيع تحرير نفسه من قيود السجن ما رواه أحمد بن فاتك الذي قال : ( لما حبس الحلاج ببغداد كنت معه . فأول ليلة جاء السجان وقت العتمة فقيده ووضع في عنقه سلسلة وأدخله بيتا ضيقا . فقال له الحسين : لم فعلت بي هذا ؟ قال : كذا أمرت . فقال الحلاج : الآن أمنت مني ؟ قال : نعم . فتحرك الحلاج فتناثر الحديد عنه كالعجين ؛ وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه باب ، فرأى السجان فضاء واسعا فعجب من ذلك . ثم مد الشيخ يده وقال : الآن افعل ما أمرت به . فأعاده كما فعل أول مرة ) « 1 » . واشتد تأثير الحلاج في الناس ، مما جعل الوزير حامد بن العباس يزداد خوفا من افتضاح أمره على يد الحلاج ، إذ كان جشعا يسعى إلى جمع ما استطاع من المال ، فكان يعمل على زيادة الضرائب ويشدد على جبايتها ، ولما كان الحلاج يظهر مفاسد المفسدين ؛ فقد خشي الوزير من انكشاف أمره فسعى حثيثا إلى تشكيل محكمة للانتقام من الحلاج الثائر الذي فتن الناس وحرضهم على الثورة ، ومن الاتهامات التي وجهت إلى الحلاج ما وجده الوزير حامد في الدفاتر التي أحضرها من دور أصحاب الحلاج وفيها : ( أن الإنسان إذا أراد الحج أفرد في داره بيتا وطاف به أيام الموسم ، ثم جمع ثلاثين يتيما وكساهم قميصا قميصا ، وعمل لهم طعاما طيبا ، فأطعمهم وخدمهم وكساهم ، وأعطى لكل واحد سبعة دراهم أو ثلاثة ، فإذا فعل ذلك ، قام له ذلك مقام الحج . فلما قرأ ذلك الفصل التفت القاضي أبو عمر إلى الحلاج وقال له : من أين لك هذا ؟ قال : من كتاب « الإخلاص » للحسن البصري قال : كذبت يا حلال الدم ! قد سمعنا كتاب « الإخلاص » وما فيه هذا . فلما قال أبو عمر : كذبت يا حلال الدم ، قال له حامد : اكتب بهذا . فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاج ، فألح عليه حامد ، وقدم له الدواة ، فكتب بإحلال دمه ، وكتب بعده من حضر المجلس ، فقال الحلاج : ظهري حمى ، ودمي حرام ، وما يحل لكم أن تتأوّلوا علي ، واعتقادي الإسلام ، ومذهبي السنة ، فاللّه اللّه في دمي . ولم يزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم ، ثم نهضوا ، ورد الحلاج إلى الحبس وكتب إلى المقتدر بخبر المجلس فأبطأ الجواب يومين ، فغلظ ذلك على حامد ، وندم وتخوف ، فكتب رقعة إلى المقتدر في ذلك ويقول : إن ما جرى في المجلس قد شاع ، ومتى لم تتبعه قتل هذا افتتن به الناس ، ولم يختلف عليه اثنان .
--> ( 1 ) أخبار الحلاج رقم 60 .